المتحدث الرسمي لـ فرسان الاسلام

المتحدث الرسمي لـ فرسان الاسلام


 
الرئيسيةالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 الفتيات وواجبنا تجاههنّ وواجبهنّ تجاه دينهنّ

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
جمعة الناصري
Admin


عدد المساهمات : 263
نقاط : 28345
تاريخ التسجيل : 05/05/2009

مُساهمةموضوع: الفتيات وواجبنا تجاههنّ وواجبهنّ تجاه دينهنّ   الإثنين يناير 25, 2010 3:11 pm

محاضرة للشيخ أحمد بن حمد الخليلي
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله العليّ الأعلى، الذي خلق الزوجين الذَّكَر
والأنثى، مِن نطفة إذا تُمنى، وشرع لكل منهما مِن القوانين ما ينسجم مع متطلبات
الفطرة، وطبيعة التكوين، أحمده-تعالى-بما هو له أهل مِن الحمد وأثني عليه،
وأستغفره مِن جميع الذنوب وأتوب إليه، وأومن به وأتوكل عليه، مَن يهده الله فلا
مضل له، ومَن يضلل فلا هادي له، وأشهد ألاّ إله إلا الله وحده لا شريك له، مَن يطع
الله ورسوله فقد رشد، ومَن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا، وأشهد أنّ سيدنا
ونبينا محمدا عبده ورسوله، أرسله الله بالحجة القاطعة، والدعوة الجامعة، فبلّغ
الرسالة، وأدّى الأمانة، ونصح الأمّة، وكشف الغمّة، وجاهد في سبيل الله حتى أتاه
اليقين، صلوات الله وسلامه عليه، وعلى آله وصحبه وعلى كل مَن اهتدى بهديه واستنّ
بسنّته وسار على نهجه ودعا بدعوته إلى يوم الدِّين، أما بعد: فسلام الله عليكم
أيها المسلمون ورحمته وبركاته.
__________
(1) -هذه المحاضرة أصلها في تسجيل سمعي بصوت الشيخ، وقد نُشِرَت بعناوين مختلفة،
منها: " واجب الفتيات في الإسلام "، " لترتقي فتاة الإسلام "،
" سلسلة محاضرات مِن أجل فهم صحيح للإسلام (2) تشريعات الإسلام للمرأة
استجابة لنداء الفطرة ".



ما أسعد هذه الفرصة أن نلتقي بكم في هذا المسجد الشريف
لنَدرس ما علينا مِن واجبات تجاه دِيننا الحنيف الذي فيه عزّتنا في الدنيا
وسعادتنا يوم القيامة، ولقد سبق في آخِر جلسة حضرتُها في هذا المسجد الشريف أن
تحدثتُ إليكم عن واجبنا نحو الشباب المسلم وعن واجب هذا الشباب المسلم، وفي هذا
اليوم أودّ أن أتحدثَ إليكم عن الجنس اللطيف، فكما تحدثتُ في المحاضرة الماضية عن
الشباب وواجبنا تجاههم وواجبهم تجاه دِينهم، أودّ أن أتحدثَ في هذه المحاضرة عن
الفتيات، وإذا كانت الفتيات لا يَسمعْنَ حديثي فبالإمكان أن يُوصَل هذا الحديثُ
إليهن عبر التسجيل كما يمكن لكلّ زوج أن يُحدِّثَ به زوجتَه ولكلّ أب أن يُحدِّثَ
به ابنتَه ولكلّ أخ أن يُحدِّثَ به أختَه.
وهنالك واجبات على الآباء وعلى المجتمَع تجاه هذا النوع مِن الجنس البشري، الذي
طبعه الله - سبحانه وتعالى - بخصائصَ معيّنة، وفَرَضَ عليه تكاليف قد تختلف أحيانا
عن التكاليف التي فَرَضَها على الرَّجُل.
ولا ريب أنّ استقامة المرأة مِن أسباب استقامة المجتمع، فبقدر ما تكون عليه المرأة
مِن استقامة وصلاح واتباعٍ لأمر الله وتجنُّبٍ لِما نهى الله - سبحانه وتعالى -
عنه تكون النتيجة في المجتمعات التي يَتربَّى فيها الذكور والإناث نتيجةً إيجابية،
لأنّ الأمَّ هي المدرسةُ الأولى، وإذا كانت تربيةُ المرأة تربيةً سلبية فإنّ
تربيةَ الجيل كله سوف تكون سلبية، وإذا عُدنا وتصفَّحنا التأريخ وجدنا إسهاما
كبيرا للمرأة في الإصلاح وفي الإفساد، فمِن الذين سبقوا إلى الإيمان برسول الله -
صلى الله عليه وسلم - امرأة مِن النساء المؤمنات الصالحات، وهي زوجُهُ أمّ
المؤمنين السيّدة خديجة الكبرى رضي الله-تعالى-عنها، وكان لها إسهامٌ كبير في دفع
عجلة الدعوة الإسلامية إلى الأمام.



وإذا نظرنا إلى الانحطاط الذي أصيب به المسلمون في القرن
الرابع عشر الهجري وجدنا للمرأة إسهاما كبيرا في ذلك، وإنني لا أُنكِر أنّ
الرَّجُل هو الذي دَفَع المرأة إلى هذه المفسدة التي وصلتْ إلى حضيضِها وارْتَمَتْ
إليها بدون مبالاة ولكنّها-أيضا-تَحمّلتْ قسطَها مِن الوزر، فإنّ الله - سبحانه
وتعالى - قد ضَرَبَ للمؤمنين مثلا بامرأتين .. بمريمَ ابنة عمران، وبامرأة فرعون
اللعين التي كانت مؤمنة صالحة قانتة ولم يمنعها كُفر زوجِها أن تلتزم نهجَ ربها
الذي يُوصِلُ إلى مرضاتِه، كما أنّ الله - سبحانه وتعالى - ضَرَبَ للذين كفروا مثلا
امرأتين: { ... كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ
فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا
النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ } [ سورة التحريم، من الآية: 10 ](1)، وهذا يعني أنّ
كل واحد مِن الرَّجُل والمرأة يستطيع أن يُحدِّدَ منهج حياته إن أراد أن يلتزم
النهج السوي، وفي هذا-أيضا-ما يدل على أنّ كل واحد مِن الرَّجُل والمرأة يبوء
بوزره إن انحرف عن الصراط المستقيم.
__________
(1) - { ضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَةَ نُوحٍ وَامْرَأَةَ
لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا
فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ
الدَّاخِلِينَ - وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ
إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن
فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ - وَمَرْيَمَ
ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا
وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ } [
سورة التحريم، الآيات: 10-12 ].



إنه مِن المعلوم أنّ المرأة خُلقت لتكون أنثى، والرَّجُل
خُلق ليكون ذَكَرا، وكل واحد مِن الأنثى والذَّكَر قد طُبع بخصائصَ معيّنة،
ومحاولة كل واحد منهما أن يتلبّس بخصائص النوع الآخَر تعتبر تمردا على الفطرة،
ومعاكسةً للطبيعة، قبلَ أن يكون ذلك إعراضا عن أمر الله - سبحانه وتعالى - وتحدّيا
لحكمه، ومحاولةُ المساواة بين المرأة والرَّجُل في جميع الأمور إنما هي معاكسةٌ
ظاهرةٌ للفطرة التي فَطَرَ الله الناسَ عليها.
والله - سبحانه وتعالى - قد قصّ علينا نبأ امرأةٍ صالحة مؤمنة قانتة أعلنتْ في
خطابها لربها أنّ الذَّكَر يختلف عن الأنثى، فقد قال الله-تعالى-حكايةً عن أمّ
مريم: { ... رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى ... } [ سورة آل عمران، من الآية: 36 ] فقد أخبرتْ
هذه المرأة الصالحة القانتة أنّ الذَّكَر يختلفُ عن الأنثى، والأنثى تختلف عن
الذَّكَر.
وإذا رجعْنا إلى العلم الحديث وجدناه يقرر هذه الحقيقة التي لا مفر منها، فالعلم
الحديث يقرّر أنّ كل واحد مِن الرَّجُل والمرأة يشتمل جسمُه على ستين مليون مليون
خلية، ولكن كل خلية مِن خلايا المرأة تختلف عن خلايا الرَّجُل، فكل خلية مِن خلايا
المرأة عليها طابع الأنوثة، وكل خلية مِن خلايا الرَّجُل عليها طابع الذكورة،
وتختلف هذه الخلايا مِن حيث الطبيعة ومِن حيث الشكلُ-أيضا-كما وجدناها مكبَّرة في
الصُّوَر، وليس ذلك فحسب بل الأمر أدقُّ من ذلك، فهناك ما يسمى بالكروموسومات أو
الأصباغ أو الجسيمات اللونية، وهي مِن الدِّقة بحيث تقاس بالواحد على بِلْيُون مِن
الملّمِتر ولكن مع ذلك فإنّ كروموسومات المرأة تختلف اختلافا بارزا واضحا عن
كروموسومات الرَّجُل كما وجدنا-أيضا-ذلك مكبَّرا في الصُّوَر.



ولقد أدرك كثير مِن الغربيين الباحثين المنصفين منهم ذكور
وإناثا أنّ الفارق بين الرَّجُل والمرة ليس فارقا بسيطا، ومِن هؤلاء الكاتب
المشهور " ألِكسيس كارِل " الذي وُلِد في فرنسا، ثم بعد ذلك أتم دراسته
في أمريكا وتجنَّس بالجنسية الأمريكية وألّف كتابا مشهورا يسمى " الإنسان ذلك
المجهول "، فقد قال في هذا الكتاب ما معناه: " إنّ المرأة لا تختلف عن
الرَّجُل مِن حيث الأعضاء التناسلية ومِن حيث الرحِم والولادة فحسب، ومِن حيث
التربية، بل الاختلاف بينهما جِدُّ عميق، فإنّ كل حُجَيْرة في جسمها عليها طابع
جنسها "، ثم بعد ذلك ندَّد بالمساواة المزعومة بين المرأة والرَّجُل، وقال:
" إنّ المرأة تختلف عن الرَّجُل-أيضا-مِن حيثُ الاستعداد الذهني، ولذلك لا
تَصلُح المرأة لأن تتلقى الثقافة التي يتلقاها الرَّجُل، وإنما يجب أن تكون هنالك
مناهجُ دراسية للفتيات تختلف عن المناهج الدراسية التي للفتيان، فهناك خصائصُ
للمرأة يجب أن تُراعى، وهناك مواهب مُنِحَتْها المرأة يجب أن تُنَمَّى هذه المواهب
".
وتحدّثتْ باحثةٌ فرنسية عن الفارِق بين الرَّجُل والمرأة فقالت: " إنّ دماغ
المرأة يُشغَل جانباه بالعاطفة، بينما العاطفة تسيطر على جانب واحد مِن دماغ
الرَّجُل والجانب الآخَر يكون مستعدا للتفكير في الأمور الجدّية ".
وهكذا تحدّثَ كثير مِن الأطباء والباحثين الاجتماعين مِن الغربيين بقسميه
الرأسمالي والشيوعي عن هذه الحقيقة وأثبتوها ولم ينكروها، فكيف مع ذلك يأخذ
المسلمون في تقليد أولئك الذين لا نصيب لهم مِن المعرفة، ولا خلاق لهم مِن
الدِّين، ويحاولون جهدهم أن يكابروا فطرةَ الله التي فَطَرَ الناسَ عليها ؟!
فللمرأة أحكامٌ كما أنّ لها خصائص، وللرَّجُل أحكام كما أنّ له خصائص.



والقرآن الكريم والسنّة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة
والسلام عندما يَشْرَعَان للنساء أحكاما في كثير مِن الأشياء تختلف عن أحكام
الرَّجُل إنما يُلبِّيان بذلك نداءَ الفطرة، ويلبيان حاجات هذه الحياة، فالمرأة
يجب أن تُراعَى أنوثتُها، والرَّجُل يجب أن تُراعَى ذكورتُه، وموقف الإسلام مِن
ذلك موقف صارم، ولذلك نجد في الحديث الصحيح عن النبي-عليه أفضل الصلاة والسلام-أنه
لعن المتشبهين مِن الرجال بالنساء، ولعن المتشبهات مِن النساء بالرجال.
ومِن هذه الأحكام التي شرعها الإسلام للمرأة الحجاب الشرعي، الذي فرضه
الله-تعالى-عليها في كتابه وعلى لسان رسوله - صلى الله عليه وسلم - ، ولم يَشْرَع
الله-تعالى-الحجاب للمرأة إلا لأجل صون كرامتها، والحفاظ على عِفَّتها، وبالتالي
إنما شَرَعَ الله - سبحانه وتعالى - الحجاب للمرأة لأجل صون حياة الرَّجُل والمرأة
جميعا، فالله-سبحانه-لم يُؤدِّب المرأة بالحجاب إلا بعد ما أَدَّبَ الرَّجُل
بالواجبات الاجتماعية التي فرضها عليه، فقد وجَّه الله-تعالى-الخطابَ التَّأديبي
أوّلا إلى الرجال، حيث قال عزَّ مِن قائل: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ
أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللهَ
خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ } [ سورة النور، الآية: 30 ].



والدِّين الإسلامي بعيدٌ عن المفارَقات والتناقضات، وليس
مِن الأمر الطبيعي أن يُفرَض غضُّ البصر وحفظ الفرج على الرجال ومع ذلك لا يخرج
الرَّجُل مِن بيته وَيَفْتَحُ عينيه إلا على طُوفَانٍ مِن التعري الفاضح، والتبرج
الشائن، لذلك كان إِتْبَاعُ هذا الأمر بالأمرِ التأديبي للنساء ضرورةً لابد منها،
فنجد بعد ذلك قولَ الحقِّ سبحانه: { وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ
أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا
ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلا يُبْدِينَ
زِينَتَهُنَّ إِلا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاء بُعُولَتِهِنَّ
أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاء بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي
إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ
أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُوْلِي الإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ
أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاء وَلا
يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا
إِلَى اللهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ سورة
النور، الآية: 31 ].



إنّ الدّين الإسلامي لَيَهْدِف إلى تنقية الشعور، وإلى
تطهير السلوك، ولذلك فَرض هذه الآداب التي فرضها على الرجال والنساء .. مِن هذه
الآداب غضّ البصر وحفظ الفرج، فغض البصر أمر لابد منه، إذ لا يمكن أن يُحفَظ الفرج
إلا بغض البصر، فحفظ الفرج نتيجةٌ حتمية لغضّ البصر، ولذلك فرض الله - سبحانه
وتعالى - على الرجال أن يَغضّوا مِن أبصارهم، وفرض على النساء-أيضا-أن يغضضن مِن
أبصارهن، فكما أنّ الرجال مَنْهِيُّونَ عن التطلع إلى النساء ومحاولة الاطلاع على
ما يسترنه مِن مفاتنهنّ ومحاسنهنّ، تُؤمر النساء كذلك بغض البصر لئلاّ يتطلعن إلى
الرجال الأجانب، ويُؤمرن-كذلك-ألاّ يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها، واختَلَف
العلماء فيما ظهر مِن الزينة:
فقيل: الوجه والكفان .. أي لا يباح للمرأة أن تبدي غير وجهها وكفيها.
وقيل: ما ظهر مِن الزينة .. ظاهر الثياب، ويجب عليها ستر وجهها وكفيها أيضا.
والقولان موجودان منذ عهد الصحابة رضي الله-تعالى-عنهم، وإذا كان فريقٌ مِن
العلماء يُبيح للمرأة أن تَكشف وجهها وكفيها فإنما يبيح ذلك مع أَمْنِ الفتنة، أما
مع خوف الفتنة فالمرأةُ مطالبةٌ-بِاتّفاق-بأن تستر كل جسمها سترا كاملا حتى وجهها وكفيها،
وكيف تَأمَنُ المرأة الفتنة وهي تخرج في وسطِ جَمٍّ غفير مِن الرجال فيهم كثير مِن
الذين لا يخشون الله-تعالى-ولا يتقونه ؟!



والمرأة بفطرتها تُحب أن تَبْدُوَ جميلة، وتُحب أن تظهِر
هذا الجمال للرَّجُل، وتُحب أن تُغريَه به، ودِين الإسلام لا يُعاكِس الفطرة ولكنه
يُنظِّم هذه الفطرة، فلقد أباح للمرأة أن تتزيّن وأن تبديَ زينتها ولكن إبداءُ هذه
الزينة مطلَقا لشخص واحد وهو زوجُها الذي هو شريك حياتها والذي يَستمتِع بكل
محاسنها والذي يباح له منها ما لا يباح لأيِّ شخصٍ آخَر حتى أقربِ قريب إليها،
ويباح لها أن تُبدِيَ شيئا مِن زينتها لذوي المحارم الذين لا يتأثّرون بما تبديه
لهم مِن زينتها، لذلك نجد في هذه الآية الكريمة ما يبيح للمرأة أن تُبدِيَ زينتها
لوالدها ولوالد بعْلها ولابنها ولابن بعْلها ولأخيها ولابن أخيها ولابن أختها ...
إلى آخِرِ ما عدّدتْه الآية الكريمة مِن الرجال الذين يباح للمرأة أن تبديَ لهم
زينتها.



وبجانب ذلك فالإسلام-كما قلتُ [ ص4 ]-يحرص كل الحرص على
تطهير المشاعر وتنقية النفس،كما يحرص على تطهير السلوك، ومِن ثَمَّ نجد قولَ
الحقِّ - سبحانه وتعالى - : { ... وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا
يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ ... } [ سورة النور، من الآية: 31 ] زاجرا للمرأة عن
أن تثير خيالَ الرَّجُل، فخيالُ الرَّجُل تجاه المرأة يثيره أيُّ شيءٍ منها،
فنَبْرَةُ الصوت، وجَرْسَة الحُلِي، ونَفْحَة الطِّيب .. كلٌّ مِن ذلك قد يثير
خيالَ الرَّجُل، وقد يفعل فِعلا يؤدي به إما إلى بلبلة فكره، وإما إلى محاولةِ
ارتكاب الفاحشة مع المرأة، ولذلك قَطَعَ الإسلام على المرأة والرَّجُلِ هذا الطريق
بما فَرَضَه مِن هذه الآداب، ويؤكد ذلك-أيضا-قولُ الله - سبحانه وتعالى - في خطابه
لأزواج النبي - صلى الله عليه وسلم - : { ... فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ
فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ ... } [ سورة الأحزاب، من الآية: 32 ]،
وإذا كان هذا الخطاب يُوجَّه إلى نساء النبي-صلوات الله وسلامه عليه ورضي الله
عنهن-مع علو قدرهن وعِظَم شأنهن ومع احترام المؤمنين لهنّ واحترامهم لرسول الله - صلى
الله عليه وسلم - وإكبارهم لهنّ لأنهنّ أمهاتهم، فكيف بسائر النساء ؟! والخطاب
الموجَّه مِن الله-تعالى-إلى أمهات المؤمنين أزواج النبي-عليه أفضل الصلاة
والسلام-إنما يدل على أنّ الحجاب لم يُقصَد به إلا الطهارة والصَّوْنُ والعفاف،
فتلك النساء الفُضْلَيَات اللواتي رَفَعَ الله-تعالى-مِن شأنهن وأعلى مِن قدرهن
يَفْرِضُ الله-تعالى-عليهن هذا الحجاب ويُنَبِّئُهُنَّ أنه أراد بذلك تطهيرهن،
فكيف تُمكِن الطهارة لغيرهن إلا بالتزام هذا الحجاب الشرعي ؟! فالله-تعالى-يقول
لهنّ: { يَا نِسَاء النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِّنَ النِّسَاء إِنِ
اتَّقَيْتُنَّ فَلا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ
مَرَضٌ وَقُلْنَ



قَوْلا مَّعْرُوفًا - وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا
تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ
الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ
عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [ سورة الأحزاب،
الآيتان: 32، 33 ]، فيجب على النساء المؤمنات الصالحات القانتات أن يتأَسَّيْن
بأزواج النبي-صلوات الله وسلامه عليه-وأن يلتزمن هذا الحجاب الشرعي الذي فرضه
الله-تعالى-عليهن، وأن يتأسين بنساء المهاجرين والأنصار-رضي الله تعالى عنهم-في
ذلك، فقد تحدثتْ عنهنّ أمّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-وما كان منهنّ مِن
استجابةٍ لنداء الله-تعالى-والتزامٍ لأمره، مع أنّ فطرةَ المرأة-كما قلتُ [ ص 4
]-فطرة تدعوها إلى أن تُظهِر جمالَها وزينتَها، فقد روى الإمام البخاري عن أمّ
المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى عنها-أنها قالت: " يَرحَم الله نساءَ
المهاجرات الأُوَل .. لَمّا أنزل الله تعالى: { ... وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ
عَلَى جُيُوبِهِنَّ ... } [ سورة النور، من الآية: 31 ] قُمْنَ إلى مُرُوطِهِنَّ
فشَقَقْنَهُنّ وَاخْتَمَرْنَ بهنّ "، وروى أبو داؤود عن صفيةَ بنت شيبة أنها
قالت: " بينما نحن جلوس عند عائشة إذ ذَكَرْنَ نساءَ قريش، فقالتْ عائشة رضي
الله-تعالى-عنها: ' إنّ لنساءِ قريش لفضلا ولكن والله ما رأيتُ أفضل مِن نساء
الأنصار إيمانا بكتاب الله، ولا تصديقا بِما أَنزَل .. لَمّا أَنزَل
الله-تعالى-قولَه: { ... وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا ...
} [ سورة النور، من الآية: 31 ] وانقَلَب رجالهن إليهن يتلون عليهنّ ما نزل مِن
كتابِ الله، فكان الرَّجُل يتلو على امرأته وعلى أخته وعلى ابنته وعلى كلِّ ذي
قرابته، ما منهنّ امرأة إلا وقامت إلى مَرْطِهَا المُرَحَّل فَشَقَّتْه فأصبحنَ
وراءَ رسولِ الله - صلى الله عليه



وسلم - مُعْتَجِرَاتِ كأنّ على رؤوسهنّ الغِرْبَان '
"، وهذا المشهد الذي تَصِفُُه أمّ المؤمنين عائشة-رضي الله تعالى
عنها-يَتجلّى واضحا في هذا العصر الحديث في تلك النساء اللواتي تطهَّرن مِن
أدْرانِ الجاهلية الحديثة، كما تطهرتْ نساءُ المهاجرين والأنصار مِن أوْحال
الجاهلية الأولى، فكثير مِن النساء اللواتي وَقَر الإيمان في قلوبهن انقَلَبْنَ في
هذا الوقت على خلافِ ما كانت عليه أمهاتُهنّ وقريباتُهنّ مِن التبرّج، وقد ظهر ذلك
في كثيرٍ مِن النساء المثقَّفات والفتياتِ الطالبات في الجامعات في البلاد
الإسلامية .. بل حتى في غيْرِ البلاد الإسلامية كثيرٌ مِن الفتيات المسلمات يلتزمن
الحجاب الشرعي ويخالفن هذه الجاهلية الحديثة، كما خالفت نساء المهاجرين والأنصار
مِن قبل تلك الجاهلية القديمة، وإنا لنرجوا الله-سبحانه-أن يُوفِّق جميع نساء
المسلمين لسلوك هذا المسلك واتباع أمر الله-تبارك وتعالى-والإعراض عن أمر الشيطان
الذي يحاول إغواءهن ويحاول أن يُرْدِيَهُنَّ-والعياذ بالله-في الهلكة.
ونجد في كتاب الله - سبحانه وتعالى - ما يدل-أيضا-على حكمة الحجاب فيما أنزل الله
في سورة الأحزاب، فالله-تعالى-يقول: { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزْوَاجِكَ
وَبَنَاتِكَ وَنِسَاء الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلابِيبِهِنَّ
ذَلِكَ أَدْنَى أَن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْن ... } [ من الآية: 59 ]، فالمرأة إن
التزمت الحجاب الشرعي كان ذلك أدنى أن تُعرف بأنها مؤمنة فلا تُؤذى بأيّ إيذاء،
وقد ظهر ذلك بارزا حتى في وقتنا هذا، ففي العام الماضي كنتُ في مصر وسمعتُ أنّ
فتاة شَكَت إلى زميلة لها متحجبة أنها كلما مرَّت في طريقها عاكَسها الشباب،
فأمرتها أن تحتجب فاحتجبتْ فلم يعاكسها أيّ شاب بعد ذلك، وهكذا فإنّ الذباب لا يقع
إلاّ على النَّتْنِ.



ومِن الأحكام التي فرضها الإسلام على المرأة تجنب الاختلاط
بالرجال، فإنّ الاختلاط أمر خطير، ولذلك نجد في الحديث الصحيح عن رسولِ الله - صلى
الله عليه وسلم - : ( إياكم والدخول على النساء ) فقال له رَجُل مِن الأنصار:
" أرأيتَ الحمْو ؟ يا رسولَ الله " فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - :
( الحمْو الموت )، وفي هذا ما يدل على خطورة اختلاط الرَّجُل بأيّةِ امرأة ولو كان
حَمًا لها، فالنبي-صلوات الله وسلامه عليه-يُشبِّه الحَمَ بالموت إذا دخل على
امرأة أخيه، فكيف بغيره مِن الرجال ؟! فاختلاطُ الفتيات بالرجال في المدارس أو في
المنْتَزَهات أو في البيوت أو في أيِّ مكان آخَر مِن أخطر المخاطر عليهنّ وعلى
عِفَّتهنّ وشرفِهنّ.



وكثيرا ما كانت هذه النوادي أو المدارس أو الجامعات أو
قاعات المحاضَرات أو أماكن اللَّهو التي يختلط فيها الشباب والفتيات مسرحا لاصطياد
الفتيات، فكم مِن فتاة غَرَّر بها شاب واستطاع أن يصطادها في مثل هذه الأماكن
مُوهِمًا إيّاها أنهما باختلاطهما يصنعان القفص الذهبي الذي سوف ينعمان فيه
بالعيشة الزوجية السعيدة ولكن بعد أن يُمَرِّغَ بشرفها في وَحْلِ الرذيلة وبعد أن
يَرْزَأَهَا في عِفّتها وفي كرامتها وفي أعزّ ما تعتزّ به وبعد أن يُلصِقَ العارَ
بها وبأهلها .. يتبدّد هذا الحلُم اللذيذُ منها ويعودُ إلى واقعٍ مرِير ويتلاشى
ذلك الأمل السعيد وينقلب إلى أَلَمٍ بعدما يرزؤُها وبعدما يترك في صدرِها هَمّا
أثقلَ مِن الجبال وفي أحشائها جنينا يُؤَرِّقُها بأنّاتِه المؤلمة للواقع المؤلِم
الذي ينتظره إما وَأْدٌ في مصَحَّاتِ الإجهاض وإما حياةٌ كلها تعاسة وشقاء واحتقار
وازدراء، ولقد إِطَّلَعتُ بنفسي على كثير مِن القضايا مِن هذا النوع بسبب الاختلاط
الذي يكون بين الرجال والفتيات، فعلى الفتيات المسلمات أن يَتجنَّبن هذه الأماكن
التي يختلط بهنّ فيها الشباب، وعلى الشباب-أيضا-أن يجتنبوا هذه الأماكن التي
يختلطون فيها بالفتيات، وعلى الآباء أن يَحرصوا على تجنيب أبنائهم وبناتهم
الاختلاط الذي يؤدي إلى مثل هذا العار الشنيع الذي لا يَغسِل أثرَه شيء،
فالمهرجانات التي تقام ويشترك فيها الذكور والإناث هي مِن أخطر المخاطر التي علينا
جميعا أن ندرِكَ مَغبَّتها المؤلمة، وأن نضع حدًّا لها في مجتمعاتنا المسلمة.



وعلينا أن ندرِك-أيضا-ما فرضه الله - سبحانه وتعالى - علينا
تجاه النساء مِن دعوتهن إلى الخير، وأمرِهن بالمعروف ونهيهن عن المنكَر وأداء
الحقوق الواجبة لهنّ، فإنّ الإسلامَ قد وفّر للمرأة مِن الحقوق ما لم يوفِّره أيّ
دِين، ولا أيّ نظام، ومَن الذي يدّعي أنّ المرأة لا تَتبوَّأُ في الإسلام مكانا
مرموقا رفيعا ؟! لقد كرَّم الإسلام المرأة في حالة ولادتها، وكرّمها وهي طفلة
تَشِبُّ، وكرّمها وهي زوجة، وكرّمها وهي أمّ، وكرّمها حتى بعد وفاتها.
فالله - سبحانه وتعالى - قد نعى على أولئك الذين يتألمون ويَمْتَعِضُونَ إذا
بُشِّرُوا بالإناث، فالله-تعالى-يقول: { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالأُنثَى
ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ - يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِن سُوءِ
مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ ... } [
سورة النحل، الآية: 58 ومن الآية: 59 ].
لقد منَّ الله - سبحانه وتعالى - علينا بالإناث وبالذكور، وامتنَّ علينا بالإناث
قبل الامتنان علينا بالذكور، فقد قال عزّ مِن قائل: { ... يَهَبُ لِمَنْ يَشَاء
إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَن يَشَاء الذُّكُورَ } [ سورة الشورى، من الآية: 49 ]،
والنبي-صلوات الله وسلامه عليه-أخبَر أنّ كلَّ مَن رُزِقَ إناثا فربّاهنّ وعلّمهنّ
وأحسن تربيتهنّ حتى زوَّجَهنّ كُنّ له يوم القيامة حجابا مِن النار.



وقد فرضَ الإسلام للزوجة حقوقا لم يفرضها أيّ دِين آخَر،
وكفى بأنّ جميع الأنظمة إلى وقتنا هذا تسلخ الزوجة مِن نسبِها بعد أن تتزوج وتصبح
تنتمي إلى أسرة زوجها ما عدا الإسلام، فالإسلام وحده هو الذي يحفظ نسب المرأة
ويجعل المرأة تنتسب إلى أسرتها وقومها ولا تفقِد نسبها بعد الزواج، بينما في وقتنا
هذا كثير مِن أولئك الذين يودُّون أن يُقلدوا غيرَ المسلمين يحاولون جهدهم أن
يَتركوا ما فرضه الإسلام مِن انتساب المرأة إلى أسرتها وترك انتسابها إلى أسرة
زوجها.
والله - سبحانه وتعالى - أمر أن تُعاشَر النساء بالمعروف، فقد قال: { ...
فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ ... } [ سورة البقرة، من
الآية: 229 ]، وقال - سبحانه وتعالى - : { ... وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ
فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ
خَيْرًا كَثِيرًا - وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ
وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا
أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانا وَإِثْماً مُّبِينا - وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ
أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا } [ سورة
النساء، من الآية: 19 والآيتان: 20، 21 ] .. هكذا يفرض الله - سبحانه وتعالى -
رعاية حقوق الزوجات.



وأما حقّ الأمّ فهو فوق حقوق جميع الناس .. لقد كرّم
الإسلام الأمّ أكثر مما كرم الأب وأكثر مما كرّم أيّ إنسان، فالله-تبارك
وتعالى-بعد أن نبّه على حقوق الأبوين جميعا نبه على التضحيات التي قدّمتها الأمّ،
فقد قال عزّ مِن قائل: { وَوَصَّيْنَا الإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا
حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ
ثَلاثُونَ شَهْرًا ... } [ سورة الأحقاف، من الآية: 15 ]، وعندما جاء رَجُل إلى
النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له: " أيُّ الناس أحقّ مِنّي بحسن الصحبة
؟ " قال له: ( أمّك ) قال: " ثم مَن ؟ " قال له: ( أمك ) قال له:
" ثم مَن ؟ " قال له: ( أمك ) قال له: " ثم مَن ؟ " قال له: (
أبوك، ثُمَّ الأقرب فالأقرب ) .. هكذا ينبه النبي - صلى الله عليه وسلم - على حقّ
الأمّ ثلاثَ مرات ثم يذكر بعد ذلك حقّ الأب معطوفا على حقّ الأمّ بـ ( ثُمَّ )
التي تقتضي المَهلة والترتيب ولا يَذكُره إلا مرّة واحدة ثم يذكر بعد ذلك حقّ
الأقرب فالأقرب، ففي أيّ دِين وفي أيّ نظام نالت المرأة هذا التكريم الذي نالته في
الإسلام ؟!



وكرَّم الإسلام المرأة وهي ميتة في قبرها، وقد ضرب
النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أروعَ الأمثال في ذلك في وفائه لزوجه الأولى أمّ
المؤمنين السيدة خديجة-رضي الله تعالى عنها-فقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم -
يُعزِّز مِن شأنها، ويرفع مِن مكانها حتى بعد وفاتها، ولم يكن يُقَدِّم عليها
غيرَها مِن النساء حتى السيدة عائشة-رضي الله تعالى عنها-التي هي بنتُ أحبِّ الناس
إليه، والتي تزوجها شابة في مقتبَل عمرها بينما تزوج السيدة خديجة-رضي الله تعالى
عنها-وقد أدبر شبابها مع أنّ شبابَه - صلى الله عليه وسلم - كان مقبِلا آنذاك، فقد
كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يرعى حقّ السيدة خديجة كل الرعاية، وكان إذا
ذَبح شاةً في بيته يقول: ( أرسلوا منها لأصدقاء خديجة )، فتقول له عائشة رضي الله
عنها: " وَلِمَ ذلك ؟ يا رسولَ الله " فيقول: ( إني لأُحِبّ حبيبها )،
ولما دخلتْ بيتَه - صلى الله عليه وسلم - هالَة أخت السيدة خديجة-رضي الله تعالى
عنها-وكان صوتُها يشبه صوتَ أختها إلى حدٍّ بعيد(1) أخذتْه - صلى الله عليه وسلم -
الأَرْيَحِية لما سَمِع صوتَها، وقال: ( اللهم هالة ) فأخذت الغيرة السيدة
عائشة-رضي الله تعالى عنها-وقالت له: " يا رسول الله، ما تذكر مِن عجوز مِن
عجائز قريش حمراء الشذقين أبدلك الله خيرا منها ؟! "، فقال النبي عليه أفضل
الصلاة والسلام: ( واللهِ ما أبدلنِيَ الله خيرا منها، واللهِ ما أنتِ بخير منها
.. لقد صدّقَتْني إذ كذّبني الناس، وآمنت بي إذ كفر بي الناس، وواستني بمالها إذ
حرمني الناس، ورزقني الله منها الولد دون غيرها مِن النساء فجزاها الله عني خير
جزاء .. اللهم اجز عني خديجة بنتَ خويلد ) .. هكذا يضرب النبي-صلوات الله وسلامه
عليه-أروع الأمثال في رعاية حق المرأة حتى بعد وفاتها، وهل نالت المرأة هذا
التكريم في ظل
__________
(1) -قال الشيخ بدلا مِن ذلك: " وكان صوتها يشبه إلى صوت بعيد "،
والظاهر أنه سبق لسان.



الأنظمة والتشريعات غيرِ نظام الإسلام وشريعته السمحة
الغراء ؟! بينما نجد تكريم المرأة في وقتنا هذا عند أولئك الذين ينادون بالمساواة
بين المرأة والرَّجُل وينادون بتحرير المرأة .. نجد تكريم المرأة عند هؤلاء يتمثل
في تصويرها عارية في المنتَجات والبضائع حتى تكون سببا لجلب الزبائن وفي تركها في
معارض البيع لأجل جلب الزبائن أيضا .. لقد بلغت حقارةُ المرأة أنها أصبحت تُصوَّر
في أيّة بضاعة، بل أصبحت صورتها تستغل لنشر الرذيلة بين الناس، حتى الدعايات للخمر
تكون مِن طريق النساء، فتُصوَّر المرأة الحسناء وبين أناملها كأس، وكذلك الدعاية
للسجائر مِن طريق النساء، فتصور السجارة بين أنملين مِن أنامل المرأة أو بين
شفتيها .. كلّ ذلك مما يدعو للحزن والأسف على مكانة المرأة، وليس ذلك فحسب، بل بلغ
الحال إلى تصوير المرأة عارية، ولقد رأيتُ بعيني رأسي غير مرة في صحيفة محلية تصدر
عندنا .. صوّرتْ فيها المرأة عارية وبجانبها راديو سانيو وقد صُوِّرت تستحم وتستمع
إلى الموسيقى الهادئة مِن ذلك الراديو، بينما صورت راقصة في نفس الصحيفة على صورة
شاشة تلفزيون لأجل دعاية لذلك التلفزيون، ولم يقف الأمر عند هذا الحد فحسب بل صورت
المرأة وهي مستلقية وكلب أعلاها، وتوحي تلك الصورة أنه يمارس الجنس معها، ولقد
تساءلتُ غير مرة: كيف هانت المرأة على الرَّجُل حتى رضي أن يُنزِلها هذه المنزلة
الدنيئة ؟! أليستْ هي أمّا للرَّجُل ؟! وأليست هي أختا له ؟! وأليست زوجا له ؟!
وأليست بنتا له ؟! وكيف هانت المرأة على نفسها حتى سكتتْ عن ذلك كله ؟!



والمتدبِّر لتأريخ المدَنِيات الزائلة والحضارات البائدة
يجد أنّ سبب فناء تلك المدنيات والحضارات التلاعبُ بكرامة المرأة، والتسويلُ لها
بأن تَخْلَعَ العذَار، وأن تهتك السِّتر، وأن تخرُج عارية، وأن تغشى منتديات
الرِّجال، فقد كان ذلك سببا لانتهاءِ حضارة اليونان وحضارة الرومان وفارس، وما
حضارةُ أوروبا الحديثة مِن ذلك ببعيد.
والكل يدرك أنّ المرأة قد استُغلت استغلالا خطيرا في القرن الرابع عشر الهجري
المنصرم في البلاد الإسلامية، وكانت تقف وراء تحريك المرأة وتحريك المنظمات
النسائية أَيْدٍ أجنبية تدفع بالمرأة دفعا إلى الهاوية والجحيم، فكل دعاوى تحرير
المرأة وقف مِن ورائها المستعمِرون، وليس ذلك فحسب، بل الحركات النسائية التحررية
مرتبطة كلّ الارتباط بالصهيونية العالمية، كما كشف عن ذلك كتاب " الحركات
النسائية وعلاقتها بالاستعمار "، فعلينا أن ندرك ذلك.



ولقد تولى كِبْرَ الدعوة إلى تحرير المرأة في العصر الحديث
في البلاد الإسلامية " قاسم أمين " بعدما كان له موقف غيرُ هذا الموقف،
وإنما دفعه إلى ذلك حبّه للدنيا، وحرصه على أن ينال رغبته منها، فلقد سبق لقاسم
أمين أن ردَّ على ألماني وكشف زيْف ما كتبه الألماني في كتابه، وفنّد مزاعمه،
وبيَّن كرامة المرأة في الإسلام، ولكن سَبَّب ذلك سخَط الأميرة " نازْلي فاضل
" التي كانت عائدة مِن أوروبا وقد شُحِن دماغها بالفكر الأوربي، وأرادت أن
تتبرج تبرج الجاهلية، وأن تتحرر مِن جميع القيم والفضائل، وكانت لها الكلمة الأولى
عند " اللورد كرومر " الحاكم البريطاني في مصر فأراد قاسم أمين أن
يستعطفها وأن ينال رضاها، ولذلك ألَّف كتابه الذي دعا فيه إلى تحرير المرأة، ولقد
اعترف بعد ذلك أنّ تلك الدعوة كانت خطيرة جدا .. لقد اعترف بذلك وهو على فراش
الموت في تصريح أدْلى به وأوضح فيه أنّ دعوته أدرك خطورتها بنفسه، وأنه حَمِدَ
الله على ما نالها مِن الفشل، ولكن بُذور تلك الدعوة السيئة قد نُمِّيَت بعد ذلك
حتى نبتت وآتت أُكُلَها المُرَّة، ولا يزال العالم الإسلامي يَجني أُكُلَها المُر
إلى وقتنا هذا، ولقد قالت امرأة قاسم أمين وهي أعرف بدعوته .. قالت: " إنّ
دعوته كانت خطيرة جدا على المجتمع " وكانت هذه المرأة مصونة محافظة على عفتها
وكرامتها وظلت بعد قاسم أمين حيّة أكثر مِن أربعين عاما وهي لا تزال تحافظ على
حجابها وعلى صونها وكرامتها، كما تحدث الأستاذ " محمد فريد وجدي " عن
دعوة قاسم أمين الخطيرة وبيّن خطورتها، وتحدَّث كثير مِن الكاتبين والكاتبات عن
خطورة هذه الدعوة، ولقد تحدثت مِن الكاتبات المشهورات في العالم العربي والإسلامي
في هذا العصر الدكتورة " بنت الشاطئ " عن سبب اندفاع النساء إلى هتك
الستر وسبب دفع الرِّجال لهنّ إلى ذلك، فلقد قالت ما معناه: " إنّ الرِّجال
الذين غَرَّروا بنا وحاولوا إخراجنا مِن البيوت أوهمونا أنهم



يريدونا أن يساوونا بذلك بأنفسهم، بينما أرادوا بذلك أن
يطردوا بنا الضّجر في دنياهم "، وقالت: " إنّ كثيرا مِن النساء غُرِّر
بهنّ حتى احتقرن الأمومة، واحتقرن الحياة الزوجية، واحتقرن كل واجبات المرأة حتى
قامت دعوةٌ بينهنّ تدعو إلى حذف نون النسوة، كأنّ الأنوثة مَذَلةٌ ونَقْص وعار
" .. هكذا تقول امرأة خَبَرَت جميع أحوال النساء في العصر الحديث، وخبرت
تحرير المرأة وعرفت مغبته وخطورته، ولقد كتبتْ كاتبات مسلمات يدعون في كتابتهنّ
إلى التمسك بأهداب الإسلام والعودِ إلى الحجاب مِن جديد، ومِن هذه الكاتبات السيدة
" نِعْمَة صِدْقِي " صاحبة " رسالة التبرج "، وكثير مِن
الكاتبات الأخريات، وإنني لأُهِيب بالآباء أن يُيسِّروا لبناتهم قراءةَ مثل هذه
الكتب مِن هذه الكاتبات المسلمات اللواتي عرفن واجبهن تجاه دينهن.
ولقد رأيتُ في بعض المجلات تعليقا مِن امرأة على ما يروى عن النبي-عليه أفضل
الصلاة والسلام-أنه سأل السيدة فاطمة رضي الله-تعالى-عنها: ( أيُّ حالٍ خيرٌ
للمرأة ؟ ) فقالت له رضي الله-تعالى-عنها: " ألاَّ ترى الرَّجُل وألاَّ يراها
الرَّجُل "، فقبَّل النبي-صلوات الله وسلامه عليه-بيْن عيْنيها، وقال: ( ذرية
بعضها مِن بعض ) .. كتبت هذه الكاتبة تعليقا على ذلك وقالت: " إنّ أيّ رَجُل
لا ينظر إلى وجه امرأة نظرة فاحصة إلا ويصورها في خياله عارية، ولا يخلو أيُّ رَجُل
بامرأة إلاّ ويُحِبُّ أن يتصل بها "، وهكذا أخذَتْ تحذر بنات جنسها مِن مغبة
الاختلاط بالرِّجال ومغبة هتك العذَار، وخلع الستار، ومحبة إزالة هذا الحجاب
الشرعي الذي فرضه الله-تعالى-على النساء.



ومع الأسف الشديد فإنّ كثيرا مِن الذين ينتمون إلى الأدب في
مجتمعاتنا الإسلامية يحاولون أن يُسخِّروا مواهبهم في تضليل المرأة وفي إخراجها
مِن بيتها، وإزالتها عن مكانتها التي بَوَّأَها الإسلام إياها، ذلك لأنّ هذا النوع
مِن الرِّجال لا هَمَّ لهم إلا إرضاء شهواتهم وإشباع غرائزهم، فهم يحاولون جهدهم
أن يضللوا بالمرأة ليكون هذا التضليل وسيلةً مِن وسائل استغلال المرأة لإشباع
شهوةِ الرَّجُل المنهوم.
فما أجدرنا جميعا أن نقف موقفَ الحَذِر مِن أمثال هؤلاء، وما أجدر الفتيات
المسلمات أن يدرسن دِينهن وأن يتمسكن بكتاب ربهن وسنّة نبيهن صلوات الله وسلامه
عليه، ولهنّ في نساء المهاجرين والأنصار أسوة حسنة، وما أجدر الآباء والأمهات أن
يَرْعَوْا حقوق بناتهم وأن يَحفظوا لهنّ شرفهنّ وكرامتهنّ، وأن يَحذَروا كل الحذر
أن يُرْزَأْن في عفافهنّ وفي شرفهنّ .. ذلك الذي أدعو إليه الآباء والأمهات
والمدرسين والمدرسات.
وأسأل الله - سبحانه وتعالى - أن يوفقنا جميعا لما يحبه ويرضاه، وأن يجعل الغَيْرة
في قلوب رِجالنا، والحياءَ في وجوه نسائنا، وأن يأخذ بأيدينا إلى كل خير مِن خيور
الدنيا والآخرة، وأن يصرف عنا كل شر مِن شرورهما، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد
وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
-

_________________
[ندعوك للتسجيل في المنتدى أو التعريف بنفسك لمعاينة هذا الرابط]
إدارة منتديات فرسان الإسلام
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://forsanislam.yoo7.com
علياء



عدد المساهمات : 92
نقاط : 26648
تاريخ التسجيل : 05/09/2009
المزاج : احمد الله ... لاني مسلمة

مُساهمةموضوع: رد: الفتيات وواجبنا تجاههنّ وواجبهنّ تجاه دينهنّ   الأربعاء مارس 03, 2010 5:48 am

موضوع رائع ..
شكرا على الطرح اخي .. لا تحرمنا من جديدك
geek
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
الفتيات وواجبنا تجاههنّ وواجبهنّ تجاه دينهنّ
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
المتحدث الرسمي لـ فرسان الاسلام :: منتدى فارسات الاسلام-
انتقل الى: